محمد أبو زهرة
3824
زهرة التفاسير
بالغيب بتعليم اللّه تعالى ، وليس من ذاته ، وإنه لا يعلم الغيب إلا اللّه ، وما يعطيه اللّه تعالى ، كما أعطى عيسى ابن مريم ، إذ كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، وكان ذلك بعد يوسف بعشرات القرون . وإن هذا يدل على أن اللّه تعالى قد بعثه نبيا على ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وقد كان قد بلغ أشده ليتحمل الرسالة ، لقد تلونا من قبل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) والنبوة هي الحكم والعلم . قبل أن يؤوّل تقدم بالنبوة ، ودعا إلى إبطال الشرك وإنكار البعث ، وابتدأ الدعوة النبوية بأن ذكر نفسه قدوة لهم ، فقال : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ، وقد وصفهم بحالين سلبيتين إحداهما : أنهم لا يؤمنون باللّه ، بل يعبدون الأوثان ، والثانية : أنهم يكفرون بالبعث ، وأكد كفرهم بالبعث بتقديم ( الآخرة ) ، على الكفر ، وذلك لمزيد الاهتمام بالكفر بالآخرة ، وبتكرار هُمْ ، وكان التأكيد لغرابته عند أهل العقول المدركة ، فالعقل يوجب الإيمان بالآخرة ؛ لأن اللّه تعالى لم يخلق الإنسان سدى ، ولأن فيه سلوان لمن لا يدرك حظه في الدنيا ، ولأنه يتفق مع العلو الإنسانى . بين أنه ترك أن يكون من ملة هؤلاء المشركين الكافرين باليوم الآخر ، وبين بعد ذلك أنه لم يكن سلبيا ، بل كان إيجابيا ، ولذا قال : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، ذكر هنا أبوه يعقوب ، وجداه إبراهيم وإسحاق ، وملتهم واحدة ، وهي ملة إبراهيم الحنيفية السمحة : التوحيد ، وقال : إنها المعقولة التي تدركها العقول المستقيمة ، والدين الحق ، ولذا قال : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، مِنْ هنا لبيان عموم النفي ، أي من شئ وأي شئ ، حجرا أو إنسانا أو زرعا ، أو حيوانا ، أو غير ذلك مما عبد من دون اللّه ، وإن التوحيد فضل وعلو بالنفس الإنسانية إلى مقام الإدراك السليم ، ولذا أخبر تعالى عنه أنه قال : ذلِكَ